المقريزي
175
المقفى الكبير
كنت أجالس الناس وأتحفّظ ، ثمّ اشتهيت أن أدوّن . وكان منزلنا بمكّة بقرب شعب الخيف ، فكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب ، فبها امتلأ في دارنا من ذلك حبّان . وقال الحميديّ عن الشافعيّ : كنت يتيما في حجر أمّي ، ولم يكن معها ما تعطي المعلّم . وكان المعلّم قد رضي منّي أن أخلفه إذا قام . فلمّا ختمت القرآن دخلت المسجد ، وكنت أجالس العلماء ، وأحفظ الحديث أو المسألة . وكان منزلنا بمكّة في شعب الخيف . فكنت انظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة ، وكانت لنا جرّة قديمة ، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرّة . فقدم علينا والي اليمن فكلّمه بعض القرشيّين في أن أصحبه ، ولم يكن عند أمّي ما تعطيني أتحمّل به فرهنت دارها على ستّة عشر دينارا ودفعتها إليّ ، فتحمّلت بها مع والي اليمن . فلمّا وصلنا سالمين استعملني على عمل فحمدت فيه فزادني عملا آخر فحمدت فيه . ودخل العمّار مكّة فأحسنوا عليّ الثناء وأكثروا من المدح . فلمّا قدمت مكّة لقيت ابن أبي يحيى فسلّمت عليه ، فقال لي : « تصنعون كذا وتفعلون كذا ! » فتركته . ولقيت سفيان بن عيينة فسلّمت عليه فسلّم عليّ وقال لي : « قد بلغنا خبر ولايتك وحسن ما انتشر عنك ، فاحمد اللّه وتمسّك بالعلم يرفعك اللّه وينفعك ! » ، فكان كلام سفيان أبلغ فيّ ممّا كلّمني به ابن أبي يحيى . ثمّ وليت بعد ذلك نجران ، وكان بها قوم من بني الحارث وموالي ثقيف . فرفع إليّ الناس مظالم كثيرة ، فجمعتهم وقلت لهم : اختاروا لي سبعة منكم ، من عدّلوه كان عدلا مرضيّا ، ومن جرّحوه كان مجروحا قصيّا . فاختاروا لي منهم سبعة ، فجلست وأجلست السبعة بالقرب منّي . فكلّما شهد عندي شاهد بعثت إلى السبعة فإن عدّلوه كان عدلا وإن جرّحوه كان مجروحا . فلم أزل أفعل ذلك حتى أتيت على جميع من تظلّم إليّ ، فكنت أكتب وأسجّل . فنظروا إلى حكم جار فقالوا : « إلى أيّ شيء تعمله ؟ إنّ هذه الأموال « 1 » التي تحكم علينا فيها ليست لنا ، إنّما هي في أيدينا لمنصور ابن المهديّ » . فكتبت في أسفل الكتاب : وأقرّ فلان بن فلان الذي وقع عليه الحكم في هذا الكتاب أنّ الذي حكمت به عليه ليس له ، وإنّما هو لمنصور بن المهديّ في يديه [ 121 ب ] ، ومنصور ابن المهديّ على حجّته ما أقام . فلمّا نظروا إلى ذلك خرجوا إلى مكّة ووقعوا عليّ ، ولم يزالوا يرفعون عليّ [ حتّى ] حملت إلى العراق ، فقيل لي : « الزم الباب ! » . فقلت : إلى من أجلس ؟ إلى من أختلف ؟ - وكان محمد بن الحسن جيّد المنزلة عند هارون الرشيد . فجالسته حتّى عرفت قوله ، ووقعت منه موقعا ، فلمّا عرف ذلك كان إذا قام هو ناظرت أصحابه واحتججت عليهم . فقال لي ذات يوم : بلغني يا محمّد أنّك تخالفني في الغصب ؟ فقلت : إنّما هو من طريق المناظرة . فقال لي : لقد بلغني غير هذا ، فناظرني ! قلت : إنّي أجلّك عن المناظرة . قال : لا ، فافعل ! فلمّا رأيت ذلك قلت له : هات ! [ مناظرته مع محمد بن الحسن ] قال : ما تقول في رجل اغتصب من رجل ساجة « 2 » فبنى عليها بنيانا ، فأنفق عليه ألف دينار ،
--> ( 1 ) في المخطوط : يعمله . وعند البيهقيّ 1 / 107 : إنّ هذه الضياع . . . وفي الحلية 9 / 76 : الضياع والأموال . ( 2 ) الساجة : خشبة من عود الهند يبنى عليها .